منوعات

أساسيات التحليل الفني في الأسواق المالية: دليل منهجي للمستثمرين

يعتمد التحليل الفني على فرضية جوهرية مفادها أن حركة الأسعار التاريخية تعيد إنتاج نفسها في المستقبل، نظراً لأن السلوك البشري الجماعي في الأسواق يميل إلى اتباع أنماط نفسية متكررة. بدلاً من التركيز على الميزانيات العمومية أو المؤشرات الاقتصادية الكلية، يوجه المحلل الفني اهتمامه نحو الرسوم البيانية لفهم التوازن بين قوى العرض والطلب. إن القدرة على قراءة هذه البيانات تمنح المستثمر رؤية واضحة حول الزخم الحالي والتحولات المحتملة في معنويات السوق.

تستند هذه المنهجية إلى ثلاثة مبادئ رئيسية صاغتها نظرية “داو”؛ أولها أن السوق يستوعب كل شيء، بمعنى أن السعر الحالي يعكس بالفعل كافة المعلومات المتاحة. المبدأ الثاني يشير إلى أن الأسعار تتحرك في اتجاهات واضحة بدلاً من التحركات العشوائية المطلقة. أما المبدأ الثالث فهو أن التاريخ يعيد نفسه، وهو ما يفسر ظهور التشكيلات الهندسية المتشابهة على الرسوم البيانية عبر عقود زمنية مختلفة.

فهم الرسوم البيانية والشموع اليابانية

تعد الشموع اليابانية الأداة الأكثر تفضيلاً لدى المستثمرين نظراً للكم الهائل من المعلومات التي توفرها في لقطة واحدة. تتكون كل شمعة من “جسم” يمثل المدى بين سعري الافتتاح والإغلاق، و”ظلال” تمثل أعلى وأدنى سعر تم الوصول إليه خلال الفترة الزمنية المحددة. يعكس لون الشمعة طبيعة السيطرة؛ فالشمعة الصاعدة تشير إلى تغلب المشترين، بينما تعكس الشمعة الهابطة سيطرة البائعين.

تتجاوز أهمية الشموع مجرد تسجيل الأسعار؛ فهي تحكي قصة الصراع النفسي بين المتداولين. على سبيل المثال، ظهور شمعة بظل سفلي طويل وجسم صغير (المطرقة) في نهاية اتجاه هابط يوحي بأن البائعين حاولوا دفع السعر للأسفل لكنهم واجهوا قوة شرائية هائلة أعادت السعر للأعلى. هذا النوع من الإشارات يعد بمثابة تنبيه مبكر لاحتمال حدوث انعكاس في الاتجاه السائد، مما يتطلب مراقبة دقيقة للشمعة التالية لتأكيد هذا التحول.

مستويات الدعم والمقاومة

تمثل مستويات الدعم والمقاومة الركائز الأساسية التي يبني عليها المحلل الفني قراراته. يُعرف الدعم بأنه “الأرضية” السعرية التي يجد السعر عندها صعوبة في الانخفاض تحتها، حيث تزداد الرغبة الشرائية وتنخفض الرغبة في البيع. في المقابل، تمثل المقاومة “السقف” السعري الذي يواجه السعر عنده ضغوطاً بيعية مكثفة تمنعه من مواصلة الصعود.

تكتسب هذه المستويات قوتها من الذاكرة الجمعية للمتداولين؛ فحين يصل السعر إلى مستوى سبق وأن ارتد منه صعوداً، يتذكر المستثمرون تلك المنطقة كفرصة شراء جيدة. تتطلب القراءة الصحيحة للرسوم البيانية بيئة تداول تتسم بالموثوقية، حيث إن البحث عما يمكن اعتباره أفضل وسيط فوركس يمنح المتداول إمكانية الوصول إلى تدفقات بيانات فورية ودقيقة، وهي ركيزة أساسية لأي دراسة فنية ناجحة ومبنية على مستويات سعرية حقيقية غير مشوهة.

Shutterstock

 

من الظواهر المثيرة للاهتمام في التحليل الفني هي “تبادل الأدوار”. فعندما يتم كسر مستوى مقاومة قوي بنجاح، غالباً ما يتحول هذا المستوى في المستقبل إلى مستوى دعم جديد. هذا التحول يحدث لأن المتداولين الذين باعوا عند المقاومة السابقة وشاهدوا السعر يرتفع فوقها، ينتظرون عودة السعر إلى نفس النقطة لإغلاق صفقاتهم الخاسرة أو الدخول في صفقات شراء جديدة، مما يخلق قوة دفع تدعم السعر من الأسفل.

تحليل الاتجاهات والقنوات السعرية

تتحرك الأسواق عادة في ثلاثة اتجاهات: صاعد، أو هابط، أو عرضي. يتم تحديد الاتجاه الصاعد من خلال تكوين قمم أعلى وقيعان أعلى بشكل متتالي، بينما يتميز الاتجاه الهابط بقمم وقيعان أدنى. رسم “خط الاتجاه” يساعد في تتبع هذا المسار؛ حيث يتم ربط القيعان في الاتجاه الصاعد، وربط القمم في الاتجاه الهابط لتشكيل حدود مرئية لمسار السعر.

عندما يتحرك السعر بين خطي اتجاه متوازيين، يتشكل ما يعرف بـ “القناة السعرية”. توفر هذه القنوات إطاراً زمنياً ومكانياً ممتازاً للتوقع؛ فاللمس المتكرر لخط القناة العلوي قد يشير إلى حالة من التشبع الشرائي المؤقت، بينما يمثل خط القناة السفلي منطقة شراء استراتيجية طالما بقي الاتجاه العام قائماً. الكسر الواضح لحدود هذه القناة، خاصة إذا اقترن بزيادة في حجم التداول، غالباً ما يكون إشارة لبداية دورة سعرية جديدة.

المؤشرات الفنية وأدوات الزخم

تعمل المؤشرات الفنية كأدوات تكميلية تساعد في تأكيد الإشارات المستمدة من حركة السعر الخام. تنقسم هذه الأدوات بشكل عام إلى مؤشرات تتبع الاتجاه، مثل المتوسطات المتحركة، ومؤشرات التذبذب (الزخم) مثل مؤشر القوة النسبية (RSI). المتوسط المتحرك البسيط (SMA) يقوم بفلترة التقلبات السعرية العشوائية لتقديم خط ناعم يوضح المسار العام، وغالباً ما يُستخدم تقاطع المتوسطات قصيرة المدى مع طويلة المدى كإشارة للدخول أو الخروج.

يبرز مؤشر القوة النسبية (RSI) كأداة لا غنى عنها لقياس سرعة وتغير حركات الأسعار. يتأرجح هذا المؤشر بين مستويات الصفر والـ 100؛ حيث تعتبر القراءات فوق 70 مؤشراً على وصول الأصل إلى منطقة “تشبع شرائي” قد يتبعها تصحيح للأسفل، بينما تشير القراءات تحت 30 إلى “تشبع بيعي” قد يمهد الطريق لارتداد صعودي. ومع ذلك، لا ينبغي استخدام هذه الأرقام بمعزل عن السياق العام للاتجاه، ففي الاتجاهات القوية جداً، قد يبقى المؤشر في مناطق التشبع لفترات طويلة.

مستويات فيبوناتشي والتصحيحات السعرية

تعد أداة “ارتداد فيبوناتشي” من التقنيات المتقدمة التي يعتمد عليها المحللون لتوقع المستويات التي قد ينتهي عندها التصحيح المؤقت ليبدأ السعر في استئناف اتجاهه الأصلي. تعتمد هذه الأداة على نسب رياضية مشتقة من الطبيعة، وأشهرها نسب 38.2%، 50%، و61.8%. عندما يبدأ سعر السهم في التراجع بعد موجة صعود قوية، يراقب المحللون هذه النسب بدقة، حيث يميل السعر غالباً للارتداد من أحد هذه المستويات قبل مواصلة الصعود.

تكمن قوة هذه الأداة في كونها “نبوءة ذاتية التحقق”؛ فنظراً لأن عدداً كبيراً من المستثمرين والمؤسسات المالية يراقبون نفس المستويات ويضعون أوامر الشراء والبيع عندها، تكتسب هذه النقاط أهمية حركية فعلية في السوق. دمج هذه النسب مع مستويات الدعم والمقاومة الكلاسيكية يعزز من دقة التوقعات ويقلل من احتمالية الإشارات الخاطئة.

منهجية الدمج والتحليل المتعدد

لا يمكن للتحليل الفني أن يحقق نتائج مستقرة إذا تم الاعتماد على أداة واحدة فقط بشكل منعزل. النجاح يكمن في “الالتقاء”، أي عندما تعطي عدة أدوات مختلفة نفس الإشارة في نفس الوقت. فمثلاً، إذا وصل السعر إلى مستوى دعم تاريخي، وظهرت شمعة انعكاسية، وكان مؤشر القوة النسبية في منطقة تشبع بيعي، فإن احتمالية نجاح صفقة الشراء ترتفع بشكل كبير مقارنة بالاعتماد على مؤشر واحد فقط.

يتطلب الاحتراف في هذا المجال الانضباط في تطبيق القواعد وتجنب التفسيرات العاطفية للرسوم البيانية. المحلل الناجح هو من يدرك أن التحليل الفني ليس علماً دقيقاً يضمن النتائج، بل هو علم احتمالات يساعد في وضع الاحتمالات الإحصائية في صالح المستثمر. إن التطوير المستمر لمهارات قراءة حركة السعر، وفهم سيكولوجية الجماهير المنعكسة على الشاشة، يظل هو المسار الأمثل لبناء استراتيجية تداول رصينة ومستدامة في الأسواق المالية المتقلبة.

زر الذهاب إلى الأعلى